الغزالي

196

إحياء علوم الدين

الدرجة الثالثة : ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة كالذي يستقصى في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها ، وهو الذي فيه الناس كلهم . أعنى من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح . فأما أخذ الشبهة أو اكتساب بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب . فلا يخفى أن ذلك يبطل التوكل . وهذا مثل الأسباب التي نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة الرقية والطيرة والكي بالإضافة إلى إزالة الضار ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المتوكلين بذلك ، ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يسكنون الأمصار ، ولا يأخذون من أحد شيئا ، بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب . وأمثال هذه الأسباب التي يوثق بها في المسببات مما يكثر فلا يمكن إحصاؤها وقال سهل في التوكل : إنه ترك التدبير . وقال إن الله خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنما حجابهم بتدبيرهم . ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر ، فهي التي تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية . فإذا قد ظهر أن الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلق بها عن التوكل ، وإلى ما لا يخرج . وأن الذي يخرج ينقسم إلى مقطوع به ، وإلى مظنون . وأن المقطوع به لا يخرج عن التوكل عند وجود حال التوكل وعلمه ، وهو الاتكال على مسبب الأسباب ، فالتوكل فيها بالحال والعلم لا بالعلم . وأما المظنونات فالتوكل فيها بالحال والعلم والعمل جميعا . والمتوكلون في ملابسة هذه الأسباب على ثلاثة مقامات الأول : مقام الخوّاص ونظرائه ، وهو الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعا وما فوقه ، أو تيسير حشيش له أو قوت ، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك فإن الذي يحمل الزاد قد يفقد زاده ، أو يضل بعيره ، ويموت جوعا ، فذلك ممكن مع الزاد ، كما أنه يمكن مع فقده المقام الثاني : أن يقعد في بيته أو في مسجد ، ولكنه في القرى والأمصار ، وهذا أضعف من الأوّل ولكنه أيضا متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة ، معوّل على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية ، ولكنه بالقعود في الأمصار متعرض لأسباب الرزق ، فإن ذلك من الأسباب الجالبة ، إلا أن ذلك لا يبطل توكله إذا كان نظره